القائمة الرئيسية

الصفحات

أخر المواضيع

التجربة الفنلدنية في التعليم.. تعرف على أسباب نجاح هذه التجربة

 

بذلت فنلندا مجهودات جبارة في سبيل الرقي بمنظومتها التعليمية.

مما لاشك فيه أن التعليم هو المفتاح الحقيقي للنهضة والتطور وهو الحل الحقيقي لمعظم المشكلات التي تعاني منها البلدان النامية والمتخلفة، فالتعليم هونقطة الانطلاق التي اعتمدت عليها الشعوب المتقدمة في تحقيق نهضتها، ومن بين النماذج الرائدة في مجال النهضة التعليمية في العالم اليوم هي التجربة الفنلندية التي اعتبرت "معجزة" وأصبحت نموذجا عالميا في تبني نظام الجودة في التعليم.

إن التجربة الفنلدية في التعليم تجربة راقية وفريدة من نوعها تستحق الوقوف عندها والبحث فيها ودراستها، واستخلاص العبر والدروس منها كونها تجربة تستحق كل الاحترام والتقدير، فما سر نجاح هذه التجربة؟ وكيف وصلت دولة فنلندا إلى هذه المرحلة من التميز في مجال جودة التعليم؟

فنلندا.. من دولة زراعية إلى دولة رائدة في مجال التعليم

فنلندا هي دولة اسكندافية تقع في شمال أروبا وهي ضمن دول الإتحاد الأروبي الذي انضمت له سنة 1995، وهي من أقل دول الإتحاد من حيث الكثافة السكانية إذ يبلغ تعداد جمهورية فنلندا حوالي 5,5 مليون شخص.

فلندا تاريخيا كانت تتبع دولة السويد لمدة 600 سنة ولكنها في سنة 1809 تحولت إلى دوقية ذاتية الحكم ضمن الإمبراطورية الروسية، لكنها حصلت على استقلالها سنة 1917(1).

كانت فنلندا حتى الخمسينيات من القرن الماضي بلدا زراعيا يعتمد اقتصادها بالأساس على ما ينتجه الفلاحون، لكنها سرعان ما تحولت إلى الاقتصاد المعرفي وذلك بفضل السياسة التعليمية المتبعة في البلاد، حيث أصبحت فلندا من الدول التي يضرب بها المثل في جودة التعليم الذي أصبح الركيزة الأساسية في تطوير البلد وجعلها دولة رفاه اجتماعي واسع، ومن أكثر الدول استقراراً على مستوى العالم.

باسي سالبرغ.. الأب الروحي للتعليم في فنلندا

يعتبر الأستاذ بجامعة هارفارد الدكتور باسي سالبرغ هو الأب الروحي للتعليم في فنلندا وهو المبشر الأبرز بالأساليب التعليمية الجديدة، مما جعله يجوب العديد من دول العالم لإلقاء المحاضرات في مجال النهضة بالتعليم بالإضافة إلى دعوته من طرف بعض الدول للتدخل في إدارة مدارسها وإصلاح المنظومات التعليمية بما يتناسب مع التقدم المعرفي والتكنلوجي في العالم.

باسي سالبرغ وجراثيم التعليم!

حسب باسي سالبرغ فإن أول خطوة اتخذتها دولة فنلندا للنهوض بالتعليم هي القضاء على مجموعة من المشاكل، سماها بـ "جراثيم التعليم" المعدية التي ابتليت بها المدارس فما هي هذه الجراثيم؟(2)

الجرثومة الأولى: وهي كثرة المواد التي يتصف بها نظام التعليم المتخلف والتي تركز على الكم وليس الكيف بمعنى الحفظ وليس الفهم.

الجرثومة الثانية: كثرة الإمتحانات والإختبارات التي ترهق التلاميذ وتجعلهم في توتر وضغط مستمرين ولهذا قامت فنلندا بالتخص من هذه الجرثومة.

الجرثومة الثالثة: إطالة ساعات الدوام مما يؤدي إلى أنهاك التلاميذ ذهنيا وجسديا، مما يتسبب في ضعف التركيز لديهم.

الجرثومة الرابعة: الواجبات المنزلية حيث يرى خبراء التعليم في فنلندا أن للتلميذ الحق في الاستمتاع بوقته في المنزل وممارسة هوايتاه المفضلة، فيما الواجبات الدراسة في المنزل ستحد من متعة الطفل في اللعب وتجعله تحت الضغط.

الجرثومة الخامسة: الدروس الخصوصية التي تؤثر بشكل سلبي على النظام التعليمي حيث تحرف المدرس عن أداء رسالته التعليمية وتحوله إلى شخص نفعي وجشع يتربح من الدروس الخصوصية،هذا يؤدي إلى تردي الواقع التعليمي وانعدام الإخلاص في أداء الرسالة التربوية.

الجرثومة السادسة: المواد المعقدة التي لا ينتفع بها المتعلم؛ وهي المواد التي لا ينتفع بها في واقعه وميوله واتجاهاته، وقد أطلق عليها الخبير باسي سالبرغ وصف "المعرفة المعزولة" وهي تلك المعلومات التفصيلية الدقيقة التي لا يتداولها إلا أهل التخصص الدقيق والتي لا تنفع المتعلم في حياته اليومية.

كل هذه الجراثيم التي ذكرناها تخلصت منها فنلندا ودخلت قائمة أفضل الدول التي تتوفر على أنظمة تعليمية ذات جودة عالية وحاز طلابها على مراكز مرموقة عالميا، وتسابقت العديد من الدول للإستفادة من تجبرتها في إصلاح التعليم والنهوض به.

مميزات التعليم في فنلندا

التعليم في فنلندا قائم على مبدأ المساواة وتكافؤ الفرص بين المتعلمين فلا فرق بين المدارس في المدن ونظيراتها في القرى، ولافرق أيضا بين المدارس في الأحياء الشعبية والأحياء الميسورة، فكل المدارس هناك حكومية ومدعومة من طرف الدولة، أما المدارس الخصوصية فتكاد تكون شبه معدومة، إذ الحكومة الفنلندية لا تشجع مثل هذه المدارس.

أما عن الركائز الأساسية في النظام التعليمي في فنلندا وهو الطفل والمدرس؛ فالطفل في فنلندا يعتبر تعليمه إلزاميا، ولا يتم اختبارهم إلا عند بلوغ سن 11 عاما، ولا يلزمون بارتداء زي موحد كباقي المدارس في العالم بل يلبسون ملابس وأحذية مريحة مما يشجعهم على العطاء أكثر.(3)

أما الركيزة الأساسية الثانية وهي المدرس الذي يعتبر أساس معادلة نجاح التعليم في فنلندا، فالمدرس قبل أن يدخل هذه المهنة يجب أن يكون حاصلا على درجة الماجستير عالي التنافسية يخضع فيه المعلم لتأهيل علمي "شاق" قبل التدريس، إلا أن الأمر يستحق كون المعلم يقضي وقت أقل في الفصل بمعدل يومي قدره 4 ساعات يومياً مما يعطيه وقتا إضافيا للتخطيط للدروس واختيار الأساليب المناسبة لتعليم الأطفال.(4)

أما بخصوص أطفال الأجانب المقيمين بفنلندا، وبحكم أنهم أتو من نظم تعليمية مختلفة يلتحقون بفصول خاصة لتدريس اللغة الفنلندية ومواد أخرى لمدة سنة كاملة، ثم يلتحقون بالفصول العادية، وبعد الإلتحاق فإن المدارس الفنلدية تخصص لهؤلاء التلاميذ الأجانب بعض الساعات لمساعدهم على دراسة لغاتهم الأم.(5)

ويتميز التعليم في فنلندا كذلك أنه مجاني؛ حيث تتيح الحكومة الفنلندية جميع مستلزمات الدراسة من كتب وأدوات... مجانا، هذا بالإضافة إلى الوجبات المدرسية المجانية باعتبار فنلندا هي أول بلد يتيح الوجبات المدرسية بشكل مجاني مند سنة 1948.

أما الامتحانات فلا وجود لها!! فالامتحانات لا تبتدئ إلا بعد المرحلة العمرية التي تلي سن المراهقة، حيث يقول خبراء التعليم هناك أن الامتحانات تتأسس على مبدأ المنافسة، فيما هم يؤمنون بمبدأ التعاون والتشارك في التعلم، ولهذا قاموا بإلغاء الامتحانات والاختبارات في المراحل العمرية ما قبل المراهقة.

مراحل التعليم في فنلندا

تنقسم المراحل التعليمية في فنلندا إلى خمس مراحل أساسية:(6)

1- التعليم التمهيدي

وهو التعليم قبل الابتدائي وتعتبر سنة تحضيرية غير إلزامية، إلا أن القوانين في فنلندا تفرض على السلطات المحلية توفير أماكن كافية لكل طفل أراد الالتحاق بالتعليم التمهيدي.

2- التعليم الأساسي

التعليم الأساسي يبدأ عند عمر سبع سنوات ويستمر لمدة تسع سنوات أو عشر في حالة ما إذا كان تلميذ في حاجة للاستزادة أو ضعف في إحدى المواد.

3- التعليم الثانوي

ينقسم التعليم الثانوي في فنلندا إلى مسارين: التعليم العام والتعليم المهني، ويقوم التعليم الثانوي على نظام الدورات وعدم الارتباط بالفصول، وتستمر هذه المرحلة لمدة ثلاث سنوات وقد ينجزها الطالب في سنتين إلى أربع سنوات، وذلك حسب اجتيازه لساعاته التدريبية، وتنتهي الدراسة في الثانوية باجتياز اختبار مؤهل لدخول الجامعة، هذا الاختبار هدفه التأكد مما يعرفه الطالب وليس تقييم نوعية الدراسة التي تلقاها.

4- التعليم الفني

التعليم الفني هو تعليم مواز للتعليم العام، ويستمر لمدة ثلاث سنوات، وغالبا ما يدرس الطالب في هذا النوع من التعليم في مدارس فنية، وتشمل الدراسة فترات تدريب في إحدى المصانع أو الشركات أو في جهة أخرى لها علاقة بتخصص الطالب، وعند التخرج من هذه المدارس يمكن للطالب الالتحاق بالجامعات أو المعاهد الفنية (المدارس العليا التطبيقية).

5- التعليم الجامعي

بعد الحصول على شهادة الثانوية أو شهادة التعليم الفني، يمكن للطالب الالتحاق بالجامعة أو بالمعهد الفني، وتستمر الدراسة فيها 3 أو 4 أو 5 سنوات حسب التخصص والدرجة العلمية التي يريد الطالب الحصول عليها.

ثلاثية: الطالب - المدرس - المنهج

لا حاجة لتعليم الطالب في فنلندا كل شيء مبكرا، فمهمة المدرس هو الحفاظ على الفضول التعليمي للطفل حتى يكبر ويختار التخصص المناسب، كما يجب مساعدته على اكتشاف مواهبه التي يتفوق بها على الآخرين، وأن يتم تشجيعه على اكتشاف حل للوضعية المشكلة وأن يبحث عن الحل ذاتيا.

أما العنصر الثاني في الثلاثية هو المدرس فيجب أن يحظى بتكوين جيد (درجة الماجستير)، كما يجب أن يتم تخفيف العبء عنه حتى يبدع في عمله،أما المنهج التعليمي الفنلندي هو منهج يركز على نحت المهارات الاجتماعية والإدارية، بالإضافة إلى شق نظري يراعي الفروقات الفردية بين المتعلمين، كما أنه يتميز بكونه يتضمن أساليب مرحة تتفنن في توصيل المعلومة إلى المتعلم بشكل مرح.(7)

أسرار النجاح

بالحديث عن النجاح التي حققته فنلندا في مجال التعليم، فإن الوصول إلى هذه المرحلة لم يكن سهلا بل تطلب العمل والمثابرة من قبل الجميع في فنلندا للوصول إلى هذه المرحلة من التميز والتي سماها البعض بـ "المعجرة الفنلدنية"، ونحن فيما يلي سنجمل بعض "الأسرار" إن صح التعبير في وصفة النجاح الفنلندية في التعليم:(8)

- فنلندا من الدول القليلة في العالم التي لا تشغل نفسها بالنظام العالمي ومشاكله، ودائما ما تبقى بعيدة عن الخلافات السياسية والاقتصادية، وكل القضايا الشائكة لتركز جل اهتمامها لتطوير البلاد والنظام التعليمي فيها.

- التعليم جزء من الهوية الفنلندية، وقد بنت هذه الهوية منذ القرن التاسع عشر، من خلال الاستثمار في التعليم وجعله اجبارايا.

- اختيار المعلمين يكون وفق شروط صارمة ويشترط حصولهم على الماجستر قبل التقديم لشغل وظيفة معلم، هذا بالإضافة إلى أن المعلم يحظى بساعات عمل أقل وراحة أكثر إذ يعمل لمدة 20 ساعة أسبوعيا فقط.

- لا يمكن فصل المتعلمين على أساس مستواهم التعليمي، حتى يصل المتعلمون المتعثرون إلى مستوى زملائهم، هذا ما جعل فنلندا تمتلك أصغر فجوة بين المتعلمين ضعاف المستوى والمتميزين.

- الارتباط الوثيق بين الطلاب ومدرسيهم؛ حيث يمكث المدرسون فترة طويلة مع طلابهم لمدة تصل لخمس سنوات، والذي يبلغ عددهم 20 طالباً في الفصل الواحد.

- المساواة بين المتعلمين؛ فلا فرق بينهم سواء كانو في مناطق ريفية أو حضرية، إو في أحياء فقيرة أو غنية، فكلهم يحصلون على جودة تعليم متساوية.

- نسبة المتخرجين من الجامعات أو المعاهد الفنية العليا مرتفعة بشكل كبير إذ تصل إلى 93 في المئة، وبهذا تكون فنلندا قد تفوقت على الولايات المتحدة الأمريكية بنسبة 17 في المئة.


المراجع:

- (1) فنلندا - موقع ويكيبيديا

- (2) جراثيم التعليم الستة التي تخلصت منها فنلندا، موقع: www.afedne.com

- (3) نور الدين قلالة، التعليم معجزة فنلندية وكارثة عربية، مقال منشور في موقع: www.islamonline.net

- (4) زينب حسين، التجربة الفنلدنية في التعليم، مدونات الجزيرة: www.aljazeera.net

- (5) زينب حسين، نفس المرجع؛

- (6) أ.مروة غديري و د.حفيظة نهائلي، تجارب رائدة في مجال التعليم - التجربة التعليمية في فنلندا نموذجا، مجلة حقائق للدراسات النفسية والاجتماعية، العدد الخامس عشر.

- (7) أحمد المشاري، نظام التعليم الفنلندي: معجزة تتحدى المنطق، مقال منشور على موقع: www.manshoor.com

- (8) نور الدين قلالة، مرجع سابق؛

تعليقات